في معنى أن تكون حياً
4 min read
نقول عن أحدهم إنه «حيّ» ونعني أن قلبه ينبض ورئتيه تتنفسان، وأن الأجهزة في غرفة المستشفى ترسم خطوطاً متعرّجة لا خطاً مستقيماً. هذا تعريف الطب، وهو تعريف دقيق ونافع، ينقذ الأرواح ويطمئن العائلات في الممرات الطويلة. لكنه تعريف لا يقول لنا شيئاً عن السؤال الذي يطرقنا في منتصف العمر، أو في منتصف ليلة عادية: هل أنا حيّ فعلاً، أم أنني أستمر فقط؟
بين الحياة والاستمرار مسافة لا تُقاس بالسنوات. يستطيع المرء أن يعيش ثمانين عاماً وهو يستمر، ويستطيع أن يحيا في أسبوع واحد ما لا تتسع له عقود. والفرق بينهما لا يظهر في السجلات الرسمية، ولا في الصور التي نعلّقها على الجدران، بل في ذلك الإحساس الخافت بأن ما يحدث لنا يحدث لنا نحن، لا لشخص آخر نراقبه من بعيد.
* * *
أول ما تفعله الحياة الحقيقية أنها تُعيد إلينا الانتباه. الطفل حيّ على نحو مدهش لأنه ينتبه لكل شيء: لنملة تحمل فتات الخبز، ولصوت المفتاح في الباب، ولطعم البرتقال في أول الشتاء. ثم نكبر، ونتعلم أن الانتباه مكلف، وأن العالم أكبر من أن نلاحظه كله، فنختصر. نحفظ الطريق إلى العمل حتى لا نحتاج إلى رؤيته، ونحفظ وجوه من نحبهم حتى لا نحتاج إلى النظر إليها.
هذا الاختصار ضروري؛ لا أحد يستطيع أن يعيش مذهولاً طوال الوقت. لكنه يتحول، دون أن ندري، من وسيلة إلى طريقة حياة. نصبح مثل من يقرأ كتاباً عرفه من قبل: تمرّ العين على السطور، وتقلّب اليد الصفحات، أما القلب فقد غادر منذ الفصل الأول.
ولعل أبسط تمرين على الحياة أن نكسر هذا الاختصار عمداً، ولو لدقائق. أن نمشي في طريق مختلف إلى البيت. أن ننظر إلى أيدينا كأنها لغيرنا. أن نسأل شخصاً نعرفه منذ عشرين عاماً سؤالاً لم نسأله من قبل، ونُصغي إلى الجواب كأننا لا نعرف ما سيقول.
* * *
الأمر الثاني أن الحياة لا تنفصل عن الخسارة. نحن نشعر بأننا أحياء أشد ما نشعر حين نفقد شيئاً، أو نخاف أن نفقده. المريض الذي يتعافى يرى الشمس كما لم يرها من قبل، والعائد من سفر طويل يشمّ رائحة بيته كأنها اكتشاف. كأن الحياة لا تُرى إلا من حافتها.
لهذا يخطئ من يظن أن الحياة الكاملة هي الحياة الخالية من الألم. الألم ليس نقيض الحياة، بل أحد أوضح أدلتها. النقيض الحقيقي هو الخدر: أن يحدث كل شيء ولا يحدث لنا شيء. أن نتلقى الأخبار الحزينة والسعيدة بالنبرة نفسها، ونمضي إلى الغد كأن اليوم لم يكن.
لا أدعو هنا إلى تمجيد الحزن، ولا إلى البحث عن الجرح كي نتأكد من أننا ما زلنا نشعر. أدعو فقط إلى ألا نهرب من الإحساس حين يأتي؛ أن نسمح للفقد بأن يكون فقداً، وللفرح بأن يكون فرحاً، دون أن نسارع إلى تفسيرهما أو إخفائهما أو تحويلهما إلى صورة تُنشر.
* * *
الأمر الثالث، وربما الأصعب، أن تكون حياً يعني أن تكون مسؤولاً عن معنى حياتك. لا أحد يمنحنا المعنى جاهزاً، مهما وعدتنا الكتب والخطب والإعلانات. قد نرث لغةً أو مدينةً أو اسم عائلة، لكن ما نفعله بهذا الإرث، وكيف نحمله، وإلى أين، سؤال يُطرح على كل واحد منا وحده، في غرفة لا يدخلها أحد سواه.
وهنا يأتي الخوف. لأن المعنى الذي نصنعه قد يكون خاطئاً، وقد نكتشف متأخرين أننا سرنا في الطريق الخطأ. فنفضّل أحياناً أن نترك القرار لغيرنا: للعادة، أو للجماعة، أو للظروف. نقول «هكذا جرت الأمور»، ونعني أننا لم نُرِد أن نكون مسؤولين عن جريانها.
لكن الحياة التي نتركها لغيرنا ليست حياتنا تماماً. قد تكون مريحة، وقد تكون ناجحة بكل المقاييس التي يعترف بها الناس، لكنها تشبه بيتاً جميلاً نسكنه بالإيجار: نرتّبه، وننظّفه، ونستقبل فيه الضيوف، ونعرف في داخلنا أنه ليس لنا.
* * *
أكتب هذه السطور ولستُ متأكداً من أنني حيّ بالمعنى الذي أصفه. أعرف أياماً كثيرة مرّت كأنها نسخ عن يوم واحد، وأعرف أنني هربتُ من أحاسيس كان يجب أن أبقى معها، وأنني تركتُ قرارات مهمة للعادة. لكنني أعرف أيضاً لحظات قليلة، واضحة كالزجاج، شعرتُ فيها بأنني هنا تماماً: في محادثة طويلة على شرفة، وفي جملة كتبتُها ثم عرفتُ أنها صادقة، وفي صمت مع شخص لم نحتج فيه إلى الكلام.
ربما لا تكون الحياة حالة دائمة نبلغها ونبقى فيها، بل عودة مستمرة. نغيب، ثم ننتبه إلى أننا غبنا، فنعود. والعودة نفسها، ذلك الانتباه المفاجئ إلى أن الأيام تمضي، هي ما يجعلنا أحياء. أن تسأل «هل أنا حيّ؟» يعني، على نحو ما، أنك بدأت تجيب.
لذلك لا أملك وصفة، ولا أظن أن أحداً يملكها. أملك فقط هذه الملاحظة الصغيرة: أن الحياة تبدأ حيث ينتهي الاعتياد، وأن الباب الذي نخرج منه إليها ليس بعيداً، بل هو الباب نفسه الذي نمرّ به كل يوم، دون أن ننظر.